ابن الجوزي

177

زاد المسير في علم التفسير

الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم ( 3 ) قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ) في سبب نزولها أربعة أقوال : أحدها : أن ركبا من بني تميم قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال أبو بكر : أمر القعقاع بن معبد ، وقال عمر : أمر الأقرع بن حابس ، فقال أبو بكر : ما أردت إلا خلافي ، وقال عمر : ما أردت خلافك ، فتماريا حتى ارتفعت أصواتها ، فنزل قوله : ( يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ) إلى قوله : ( ولو أنهم صبروا ) ، فما كان عمر يسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية حتى يستفهمه ، رواه عبد الله بن الزبير . والثاني : أن قوما ذبحوا قبل أن يصلي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر ، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعيدوا الذبح ، فنزلت هذه الآية ، قاله الحسن . والثالث أنها نزلت في قوم كانوا يقولون : لو أنزل الله في كذا وكذا ! فكره الله ذلك ، وقدم فيه ، قاله قتادة . والرابع : أنها نزلت في عمرو بن أمية الضمري ، وكان قد قتل رجلين من بني سليم قبل أن يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قاله ابن السائب . وروى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال : لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة . وروى العوفي عنه قال : نهوا أن يتكلموا بين يدي كلامه . وروي عن عائشة رضي الله عنها في هذه الآية قالت : لا تصوموا قبل أن يصوم نبيكم . ومعنى الآية على جميع الأقوال . لا تعجلوا بقول أو فعل قبل أن يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم أو يفعل . قال ابن قتيبة : يقال فلان يقدم بين يدي . الإمام وبين يدي أبيه ، أي : يعجل بالأمر والنهي دونه . فأما " تقدموا " فقرأ ابن . مسعود ، وأبو هريرة ، وأبو رزين ، وعائشة ، وأبو عبد الرحمن السلمي ، وعكرمة ، والضحاك وابن سيرين ، وقتادة ، وابن يعمر ، ويعقوب : بفتح التاء والدال ، وقرأ الباقون : بضم التاء وكسر الدال . قال الفراء : كلاهما صواب ، يقال : قدمت ، وتقدمت ، وقال الزجاج : كلاهما واحد ، فأما " بين يدي الله ورسوله " فهو عبارة عن الأمام ، لأن ما بين يدي الإنسان أمامه ، فالمعنى : لا تقدموا قدام الأمير . قوله تعالى : ( لا ترفعوا أصواتكم ) في سبب نزولها قولان : أحدهما : أن أبا بكر وعمر رفعا أصواتهما فيما ذكرناه آنفا في حديث ابن الزبير ، وهذا قول ابن أبي مليكة .